ذات الرداء الآصفر
فجأة، وجدتُ نفسي في رحاب مبنى باسق، كأنه صرح من صروح الأحلام. ساحة شاسعة، أعمدة رخامية تُطاول السماء، وقبة زجاجية تسكب ذهب الشمس، فتُهدي الدفء للنفوس قبل الأجساد. وعلى الجدار المقابل، كانت شاشة عملاقة تتنفس ألواناً، فتتحول بتؤدة من حمرة الورد إلى صفرة الضياء على مدار الساعة. هناك، لمحتُ فتاتين في مقتبل العمر. إحداهما ممتلئة القوام، بعينين سوداوين واسعتين كعيني غزال بري، ترتدي رداءً يمزج بساطة القميص الأبيض بوقار التنورة السوداء. أما الأخرى، فكانت أميرة خرجت لتوها من بلاط السلاطين، تتهادى بردائها الأصفر الطويل، وهما تتبادلان حديثاً ملؤه الغبطة عما تعرضه الشاشة من عطور وكريمات.بصوت ملأه الزهو، قالت ذات الرداء الأصفر: "نعم، هذا ما يليق بواجهة محلي الجديد!"ثم اقتربت مني تلك "الأميرة" بشعرها الأشقر المنسدل على قوام ممشوق وخصر أهيف، بعينين هما البحر في زرقتِه، ووجه هو البدر في تمامه. أمسكت بيدي، وجرَّتني خلفها بلهفة، كطفل يأبى إلا مجاراة أمه. ضغطتُ على راحتها التي استقرت في يدي بنعومة الحرير، وسألتها: "إلى أين؟"لم تجب بحرف، بل دفعتني أمامها وهي ترمقني من الخلف، فمضيت أخطو بتبختر وبأنفة عراقية شامخة.صاحتا معاً بذهول: "وااااو.. إنه رائع!". تراقصتُ مازحاً وقلت: "هل أعجبكما؟" ,أجابت الأميرة: "بشكل مذهل! هل لي أن أصورك وأنت تمشي؟", قلت بوقار من استعاد مجده: "وهل أنا عارض أزياء أعمل لديك؟", رمقتني بنظرة ملؤها التغنج وقالت: "نعم.. ولمَ لا؟", وهل يملك الرفض من أغواه الجمال؟! , مشيت ثانيةً في ذلك الممر الرخامي والكاميرا تلاحق خطواتي، لتهتف ببهجة: "أنت مذهل!"’ ابتسمتُ وسألتها: "هل يمكنني الحصول على تلك الصور؟"
قالت: "بكل سرور، سأرسلها لك حتماً."وعند النافورة التي تتوسط الباحة، مالت الأميرة تداعب الأطفال وتشاطرهم مرحهم. ثم دنت مني، وأخرجت من حقيبتها قُصاصة ورقية، رسمت داخلها دائرة، وقالت: "اكتب رقمك هنا لأرسل لك الصور."أخذتُ الورقة بلهفة حالِم شارف على الامتلاك، وهممتُ بكتابة الرقم.. فإذا بهاتفي "الواقعي" يرن ليوقظني عند الخامسة وخمس وأربعين دقيقة فجراً..
وقبل صياح الديك. .......ليعلن نهاية الحرية.

