أُسطورةً كنّا بخلقٍ عظيم، واليوم غدونا مملكةً للجحيم.
في بؤرةِ الطمي عالقون، وفي سيولِه غارقون.
بين أزقّتها أجسادٌ تتبعثر، وعلى منصّاتها أسيادٌ تتبختر. الطفولةُ في مهدها تنتحر، والكُهولة فوق لحدها تحتضر، وعلى أرضها ما من كائنٍ مستقر.
في دجى ظلمتها أعناقٌ بلا قبلةٍ تُنحر، وفي شروقها أجسادٌ تُحشر بين الحشد والعسكر.
بعد أن كنّا للعالم منارًا، أصبحنا بين الأمم أسوأ أمةٍ تُذكر، ومن علومها الجهلُ يسخر.
على دروب الهلاك مسيراتٌ تكررت، ومن قنص جلاديها ثوراتٌ تبددت. وعلى أسوارها سلاطينُ العالمِ اجتمعت، والشياطينُ على أرضها تسيّدت.
أُقيمت حفلاتُ شواء من أجساد الملائكة، حتى تسامَت روائحُ الذبائح عنان السماء.
هانت أرواحُهم، فاستخدموا بدل السلاح أجسادَهم، سالَت دماؤهم فارتوت سنابلُهم، وامتلأت الدنيا غيثًا من دموع الأيتام، حتى بكت الأجنّة في الأرحام.
فما مالت لهم عمامة، ولا تنحّى إمام، بل زادت فتاويهم وراق لهم المقام.
بعد أن روّجوا للطائفية بحقارة، صُمّت آذانُهم من نواح الثكالى، وأصابهم العمى من خيانة الحثالى.
ومارسوا العهر حتى الثمالة، فكانوا للعمالة إشارة، وللفتنة إثارة.
على جثثِنا نُصبت منصّاتُ الإعدام، ومن جماجمِنا شُيّدت قصورٌ للأصنام.
رُويت الأرضُ من رياءِ الأوغاد، حتى عبثوا بتاريخ الأجداد، وتفنّنوا بتزويق الفساد.
فخارت قوى العالم أمام جموح المسوخ، وامتلأت الأرض جورًا من ظلم الأنداد.
ومن خلف الحدود غزت الفارسية حرفَ الضاد، فعاثت بأرض الرافدين فسادًا انتقامًا من القادسية وبأسِ جندها الأمجاد.
انتحرت الحرية على حدود القارات، وسكتت على منابرها كل النداءات، وتلاشت في فضائها الاستغاثات.
فلم تعد رجفةُ طفلٍ يعاني قسوة المخيمات تهزّ كيان المنظمات، حتى تسيدت الأنانية، وما تبقّى من الإنسانية إلا حروفٌ هي الأخرى دخلت في سبات.
وأبلغونا — الغزاة — ألا ننتظر منهم ما هو آت.
وبعد أن نُعِتنا بأسوأ المخلوقات، ما بقي لنا من الكون سوى الإله… والألم… والموت… والآهات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق