العربانة و بجامة البازة..
قصة قصيرة من ذكريات الطفولة ..
لم تكن بيوت حي المنصور في الموصل مجرد جدران وازقة متشابهة، بل كانت أضلعاً في جسد واحد.
في ذلك الحي التابع لمعمل الغزل والنسيج الحكومي بالموصل ، كما كان يسمى انذاك ، كانت الأبواب المفتوحة تخلط روائح الخبز الموصلي، تماماً كما تخلط العوائل العربية والكردية والمسيحية ضحكاتها وأحاديثها اليومية على عتبات الأبواب.
في تلك الظهيرة الملتهبة بأشعة الشمس، لم يكن لأطفال الحي عهد بالـ "بلي ستيشن" أو الشاشات الباردة، بل كانت الأيدي هي التي تخلق المتعة من العدم. وكانت ذروة التكنولوجيا ومصدر الفخر للأطفال هي (عربانة أم البولبرينات) ، لوح خشبي بسيط، يستند في الخلف على بولبرينين ، وفي الأمام على "بولبرين" ثالث يتحكم به مقود خشبي بدائي ، كانت تلك "العربانة" في عيوننا تضاهي سيارات "البهبهاني" الفارهة التي يركبها الأثرياء اليوم.
الشمس في كبد السماء تصب لهيبها فوق الموصل، حتى خُيل إلينا أن إسفلت الشارع المنحدر بدأ يذوب تحت الأقدام. الشارع خلا تماماً من السيارات والمارة الذين فروا إلى ظلال البيوت، لكن الهجير لم يكن ليطفئ حماس طفلين.
كنتُ أعتلي المقعد الخشبي مزهواً كقائد أسطول ، وخلفي صديق طفولتي الصدوق – الذي لم تزدنا الأيام والمقاعد الدراسية منذ الابتدائية وحتى اليوم إلا تمسكاً ببعضنا، انحنى بجسده النحيل، وبكلتا يديه يتشبث بظهري ، وبدأ يدفعني بكل ما أوتي من عزم (أسرع.. أسرع يا صديقي ) ههتفْتُ به والحماسة تأخذ بمجامع قلبي.
بدأت العربة تكتسب سرعة جنونية مع انحدار الشارع، والهواء الحار يصفع وجهي، وصوت احتكاك حديد "البولبرينات" بالإسفلت يملأ الحي بصخب رائع.
كانت المتعة مطلقة، والسرعة تملأ رأسي بنشوة لا توصف.
وفجأة.. وفي لحظة الانتشاء القصوى، اهتز المقود بعنف في يدي ، وانخلع المحور الأمامي تماماً.
لم أستوعب ما حدث إلا وأنا أتدحرج على الإسفلت الساخن برفقة قطع الخشب المتناثرة، سقطتُ سقطة مدوية، وارتطم جسدي بالأرض.
ركض صديقي نحوي وعلامات الذعر تعلو وجهه: "هل أنت بخير؟!"
قمتُ أنفض الغبار، ولم أكن أشعر بألم الكدمات، بل تجمدت نظراتي رعباً على (بيجامة البازة) الجديدة، التي خاطتها أمي حديثاً ولم أهنأ بها بعد، تمزقت بشكل فاضح!
"يا إلهي.. العقاب!" همستُ والرعب يتسلل إلى قلبي.
قلت لصديقي والخو ف من العقاب يهزني: وما العمل الآن ؟
قال صديقي : لاتهتم سنتدبر الأمر.
في بيت صديقي حاولت اخفي جريمتي بخياطة البجامة يدوياً، لكن بطريقة خنفشارية .
عدتُ إلى البيت بخطوات وئيدة، ويدي اليسرى ملتصقة بالشق، تحاول جاهدة حجب القماش المهترئ والجلد المخدوش تحتها. دخلت إلى غرفة الجلوس محاولاً التسلل بحركة جانية مريبة.
لمحتني أمي، قطبت حاجبيها وسألتني بشك: "ما بك؟ لماذا تضع يدك هكذا على بيجامتك؟" , ابتلعتُ ريقي، وحاولت رسم ابتسامة عفوية خالية من الذنب: "لا شيء يا أمي.. لا شيء أبداً، يعجبني أن أمشي هكذا، أشعر بالراحة!" .
نظرت إليّ بنظرة ثاقبة اختصرت كل خبرة الأمهات في كشف كذب الطفولة.
لم تمر ثوانٍ حتى تحركت يدها لتزيح يدي غصباً، لينتصب الشق الفاضح أمام عينيها.
عانق الصمت المكان للحظة، قبل أن أدرك يقيناً أنني، ورغم كل المراوغة، لن أفلت من العقاب في ذلك اليوم التموزي الطويل....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق